أحمد بن محمد ابن عربشاه
178
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
النار ذات الوقود ، فعلق من النار به في الطرف وما شعر بذلك أحد وما عرف ، ثم لعب ساعة بذلك العود وأوصل في خفية طرفه إلى ذلك الشق المعهود ، لتتيقظ فتتحفظ فشوطها « 1 » وأحرها وأحرق رأس السفود بظرها ، فالتأمت وانضبطت ، واحترقت واختبطت وتحركت بزعجة فضرطت ، فزادت فضيحة العين فضيحة الأنف والأذن ، ولم يحصل من تلك الحركة إلا الخجالة والغبن « 2 » . وإنما أوردت هذه الحكاية ؛ لتتأملوا في الغايات والنهايات ، فإن من لا يراقب ما يأتي في العواقب ما الدهر له بصاحب ، وهذا الرجل الصالح القيم الراجح ؛ ما فاق أقرانه وساد أصحابه وإخوانه ؛ إلا بشئ تقدم به عليهم وتحقق موجب تقدمه لديهم ، وذلك درجات العلم والعمل ، فبذاك ساد الرجل وكمل ، وقال منزل الآيات وخالق البريات يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] . وقد برع في أنواع العلوم ، واطلع على حقيقتها من طريقي المنطوق والمفهوم ، وأنتم عن طريقه غافلون ، وعن حقيقة ما هو عليه ذاهلون . واعلموا إن طريقه واحدة وهي الحق ، وطرقكم متعددة وكلها فسق ، وأتباعه على اتباعه متحالفون ، وأنتم في طرائقكم القدد « 3 » متخالفون ، فقد قال الله تعالى في محكم تنزيله وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] . وقال بعض أهل الفضل ، وكلامه في بيان الحق فصل : ما ناظرت ذا فنون إلا غلبته ، وما ناظرنى ذو فن إلا غلبني . وإنما أخشى إن ناظرت هذا الرجل الكامل الفاضل أن لا أحصل منه على طائل ويظهر فضله قصورى ؛ فينهدم بنيان قصورى .
--> ( 1 ) أحرقها . ( 2 ) الخديعة . ( 3 ) المتعددة .